المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصمة


المملكـــــــة
03-17-2004, 07:23 PM
" الصمة "

الصمة القشيري، عاشق آخر من الذين ذاع صيتهم، وتناقلت الأفواه حكاياتهم في صدر الاسلام .

ومثل أغلب عشاق ذلك الزمن نجد أن الصمة كان بدوياً، أى أنه ولد ونشأ وترعرع في الصحراء، ولابد أن للصحراء ذلك التأثير السحرى على القلوب . يشب الفتى، ويشتد عوده، وتستيقظ حواسه فيمد البصر حوله فلا تحده حدود، لاشيء على الاطلاق يمنع الخيال من أن يحلق عالياً، ويرمح كالفرس الجامح في كل اتجاه .

وعندما يرخى الليل أستاره،وينسحب آخر ضوء للشمس، تبرق الأماني في سماء الحياة، وتعربد في القلب أشواق طبيعية، بثها الخالق في قلوب البشر، ليبحثوا دوما، وبلا كلل، عن مصدر للمودة والرحمة .

وتتكرر قصة روميو وجوليت ولكن على الطريقة العربية، فالصمة كان ينتمى إلى عائلة ثرية، وكثيرا ما يرتبط الثراء بالشح والطمع . ولابد أن والد الصمة كان شحيحاً، بينما كان عمه طماعاً ولذلك نشأت بينهما .. عداوة ما، كان الصمة وحبيبته ضحيتين لها.

وكما حدث في أغلب حكايات العشق البدوي في العصر الأموى، تطلع فتانا حوله فلم يجد سوى ريا بنت عمه فهام بها حبا، وما أن شب عن الطوق حتى تقدم إلى عمه راغبا في خطبتها.

ويبدو أن العم كان يدرك أن هذا اليوم سيأتى حتما، وكان يتحين الفرص لينتقم من أخيه، لسبب ما . وبدلا من أن يرحب بابن أخيه ويوافق على الخطبة فوراً، راح يطلب مهراً غاليا لابنته، ويحدد عدد الابل المطلوبة لا تنقص ولا تزيد، بل ونوعها أيضاً.

ويقال إن الصمة لجأ إلى أبيه ليحصل منه على ذلك المهر، لكن الأب رفض، فلم ييأس العاشق الولهان ولجأ إلى عشيرته طالبا المدد، فعاونوه، أى جمعوا من بعضهم الابل المطلوبة.

وفي حكاية أخرى أن الأب وافق بعد الحاح وأعطى ابنه المهر المطلوب وذهب الصمة إلى عمه، والفرحة لا تسعه.

لقد حقق أخيراً، وبطريقة ما، المطلب الصعب، وبقي أن يفوز ببنت عمه لتشاركه حياته ويعيشان في سعادة هناء كما تنتهى دائما الحكايات.

ولكن يبدو أن العرب في صدر الإسلام كانوا على وعي بأن زواج الأقارب ظاهرة غير صحية، ينتج عنها أن يرث الأبناء الأمراض المزمنة بالعائلة، لذلك كانوا يضعون العراقيل في طريق كل من يحب بنت عمه ويسعى للزواج منها ..

أو لعلهم كانوا يعشقون الشعر، ويسعون بكل ما أوتوا من جهد إلى قدح زناد الشاعر، واثارة قريحته، حتى يفرز لهم المزيد من الرحيق لينشدوه ويتغنوا به .

ولولا الشعر ما وصلتنا حكايات الحب في صدر الإسلام فلأنهم كانوا شعراء، وكانوا موهوبين " ولأن الناس أحبت أشعارهم وحفظوها ورددوها ثم لحنوها وغنوها، فخلدوها ويحكي لنا أبو الفرج الاصفهانى في كتابه الخالد " الأغانى " أن الصمة لما ذهب إلى عمه بالأبل فوجئ به يتأملها مستنكراً، ثم يطلب منه أن يعود إلى أبيه ليبدل بعضها، ففعل راجعاً إلى أبيه وطلب منه ذلك لكن الأب رفض بشدة .

وتأمل وضع هذين الاخوين اللذين لا يتبادلان الكلام، وإنما يبعث كل منهما برسالته عن طريق العاشق المسكين، وكأنهما جعلا منه كرة يتقاذفانها، غير عابئين بما يمتلئ به من مشاعر وأحاسيس .

وطبيعى أن يكتشف الصمة ذلك الوضع المهين الذي صار إليه، وأن يثور، وأن تصدر عنه كلمات نابية لكل من عمه وأبيه، ويتملكه الغضب العارم، فيقطع عقل الابل، ويسرحها لتعود إلى أصحابها، وتستبد به نوبة الغضب، فيرحل بعيداً عن الحى الذي تعيش فيه قبيلته قاصداً أحد الثغور،وهناك تهدأ ثائرته ويفكر في الامر ملياً، ويشعر بالندم فيعود إلى قومه .

وكما حدث في أغلب قصص الحب في صدر الإسلام، تغيب عنا أخبار المرأة المحبوبة التى تدور حولها كل الحكاية، كل ما نعرفه عنها أنها كانت تدعى العامرية، وأن الصمة كان يذكرها في كل أشعاره القليلة التى خلدها أبو الفرج وأنها كانت بنت عم له .

أما موقف ريا من الصمة، وهل كانت تحبه بقدر ما كان يحبها، وترغب فيه بقدر ما يرغب فيها، فهذا مالا يصل إلينا . نقرأ فقط أنها حين رأته راحلاً قالت :

" تالله ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته بأبعرة " أى أنها لم تصرخ ولم تلحق به، ولم تطالبه بأن يصبر ويفكر في وسيلة للتغلب على والده ووالدها، بل كلماتها تدل على أنها لم تكن ترى أن والدها قد أخطأ .

ويعود الصمة فماذا يجد ؟!

يجد أن عمه قد زوج ريا من رجل قصير يدعى عامر بن بشرن ولعل عامرا ما كان قبيحاً ولا قصيراً، ولكنه بدا كذلك، في عين العشاق الولهان، وهكذا صوره في شعره قائلاً يخاطب أهلها:

فإن تنكحوها عامراً لاطلاعكم إليه يدهد هكم برجليه عامر

وتختفى أخبار العامرية، فلا نعرف هل وفقت في زواجها أم لم توفق أما الصمة فقد زوجه أهله من امرأة تدعى جبرة بنت وحش، وذلك على أمل أن ينسى حبه لريا، ولكن جبرة هذه لم تجبر خاطره ولا استطاعت ان تملأ فؤاده أو تبرأه من علته، فإذا هو يضيق بالإقامة معها، ويهجرها بعد فترة راحلاً إلى الشام قائلاً لها:

كلي التمر حتى تهرم النخل واضفري خطامك ما تدرين ما اليوم من أمس

ولا شك أن حبيبته ريا قد تناهى إلى سمعها ما قال فيها الصمة، وغناه إسحق :

ألا تسألان الله أن يسقى الحمى بلا فسقى الله والحمى والمطاليا

واسأل من لاقيت هل مطر الحمى فهل يسألن عنى الحمى كيف حاليا


إنه يسأل بشغف عن المكان الذى تعيش فيه حبيبته، ويدعو الله أن يسقيه بالمطر وهو الرياض التى تحيط به، ثم يتساءل في حسرة : هل يسأل عن الحمى أيضاً، وهل يهمه أن يعرف كيف حالى .. !

وفي قصيدة أخرى أنشدتها المغنية قرشية الزرقاء يقول :

واذكر أيام الحمى ثم انثنى على كبدى من خشية أن تصدعا

فليست عشيات الحمة برواجع عليك ولكن خل عينيك تدمعا

ان ذكرى أيام الحب، وما جرى فيها، لا تريد أن تبرح خياله حتى ليكاد كبده أن يتمزق حزناً وحسرة، وهو يعلم أن تلك الأيام الجميلة لن تعود ابداً، ومع ذلك يترك العنان لدموعه، عل البكاء يفيده .

وقيل إن الصمة كان يجلس وحده ويبكى مخاطباً نفسه :

" لا والله ما صدقتك فيما قالت " فمر عليه رجل وسأله : من تعنى ؟ ويحك ! أجننت ؟! قال : أعنى التى أقول فيها:

أما وجلال الله لو تذكريننى كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا

فقالت بلى والله ذكرا لو أنه يصب على هم الصفا لتصدعا

أى أن الدموع التى تنهمر من عينيها كلما ذكرته لو أنها صبت على جبل لتصدع . فهى تؤكد له أنها تذكره كما يذكرها . وبقدر ما يبكي على فراقها تبكى على فراقه .

فهل يعني ذلك أن الصمة كان يلتقى بحبيبته ريا، بعد فراقهما، وأنه كان يبثها لواعج قلبه، ويحصل منها على تأكيد باستمرار حبها له، وتذكرها أيامه ! هكذا تقول الابيات ويقول كلامه لنفسه إنه يشك في صدقها، فهي قالت له كلاماً ولكنه لا يصدق ما قالته .

أما باقي الحكاية التى يرويها صاحب الاغانى عن الصمة فتقول إنه اضاف بعد البيتين :

" أسلى نفسى عنها وأخبرها انها لو ذكرتنى كما قالت لكانت في مثل حالى " . أى أنه ينكر ما جاء بها في البيتين وينسب ما فيهما للخيال . فهما حديث النفس للنفس .

ويظل الصمة على هذا الحال، تكاد الحسرة أن تقتله، والشوق إلى حبيبته وابنة عمه ريا يستبد به، فيقرض الشعر، ويتلقفه المغنون يلحنونه ومنهم المغنية متيم الهاشمية التى غنت له :

فوا حسرتى لم أقض منك لبانة ولم أتمتع بالجوار وبالقرب

يقولون هذا آخر العهد منهم فقلت وهذا آخر العهد من قلبى

ومن أحلى ما قال في ريا :

جئت إلى ريا ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعباكما معا

فما حسن أن تأتي الامر طائعا وتجزع أن راعى الصبابة اسمعا

بكت عينى اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

هكذا عاش ذلك الشاعر ينفس عن مكنون قلبه بالشعر حتى آخر يوم في حياته، فقيل ان رجلاً كبير السن من أهل طبرستان عثر عليه ذات يوم مطروحا على الأرض في بستان، فدنى منه وسمعه يقول بصوت خفى :

تعز بصبر لا وجدك لا ترى بشام الحمى اخرى الليالى الفواير

كأن فؤادى من تذكره الحمى وأهل الحمى يهفو به ريش طائر

قال الرجل :

فما زال يردد هذين البيتين حتى فاضت روحه، فسألت عنه فقيل لي :

هذا الصمة بن عبد الله القشيرى .

فهل سكب الصمة حياته قطرة حسرة على ريا، أم ندما على هجرة بلدته، أم حزنا على أهله الذين فرقتهم الخلافات وفرقهم الشح والطمع!

المملكـــــــة
03-17-2004, 07:23 PM
" الصمة "

الصمة القشيري، عاشق آخر من الذين ذاع صيتهم، وتناقلت الأفواه حكاياتهم في صدر الاسلام .

ومثل أغلب عشاق ذلك الزمن نجد أن الصمة كان بدوياً، أى أنه ولد ونشأ وترعرع في الصحراء، ولابد أن للصحراء ذلك التأثير السحرى على القلوب . يشب الفتى، ويشتد عوده، وتستيقظ حواسه فيمد البصر حوله فلا تحده حدود، لاشيء على الاطلاق يمنع الخيال من أن يحلق عالياً، ويرمح كالفرس الجامح في كل اتجاه .

وعندما يرخى الليل أستاره،وينسحب آخر ضوء للشمس، تبرق الأماني في سماء الحياة، وتعربد في القلب أشواق طبيعية، بثها الخالق في قلوب البشر، ليبحثوا دوما، وبلا كلل، عن مصدر للمودة والرحمة .

وتتكرر قصة روميو وجوليت ولكن على الطريقة العربية، فالصمة كان ينتمى إلى عائلة ثرية، وكثيرا ما يرتبط الثراء بالشح والطمع . ولابد أن والد الصمة كان شحيحاً، بينما كان عمه طماعاً ولذلك نشأت بينهما .. عداوة ما، كان الصمة وحبيبته ضحيتين لها.

وكما حدث في أغلب حكايات العشق البدوي في العصر الأموى، تطلع فتانا حوله فلم يجد سوى ريا بنت عمه فهام بها حبا، وما أن شب عن الطوق حتى تقدم إلى عمه راغبا في خطبتها.

ويبدو أن العم كان يدرك أن هذا اليوم سيأتى حتما، وكان يتحين الفرص لينتقم من أخيه، لسبب ما . وبدلا من أن يرحب بابن أخيه ويوافق على الخطبة فوراً، راح يطلب مهراً غاليا لابنته، ويحدد عدد الابل المطلوبة لا تنقص ولا تزيد، بل ونوعها أيضاً.

ويقال إن الصمة لجأ إلى أبيه ليحصل منه على ذلك المهر، لكن الأب رفض، فلم ييأس العاشق الولهان ولجأ إلى عشيرته طالبا المدد، فعاونوه، أى جمعوا من بعضهم الابل المطلوبة.

وفي حكاية أخرى أن الأب وافق بعد الحاح وأعطى ابنه المهر المطلوب وذهب الصمة إلى عمه، والفرحة لا تسعه.

لقد حقق أخيراً، وبطريقة ما، المطلب الصعب، وبقي أن يفوز ببنت عمه لتشاركه حياته ويعيشان في سعادة هناء كما تنتهى دائما الحكايات.

ولكن يبدو أن العرب في صدر الإسلام كانوا على وعي بأن زواج الأقارب ظاهرة غير صحية، ينتج عنها أن يرث الأبناء الأمراض المزمنة بالعائلة، لذلك كانوا يضعون العراقيل في طريق كل من يحب بنت عمه ويسعى للزواج منها ..

أو لعلهم كانوا يعشقون الشعر، ويسعون بكل ما أوتوا من جهد إلى قدح زناد الشاعر، واثارة قريحته، حتى يفرز لهم المزيد من الرحيق لينشدوه ويتغنوا به .

ولولا الشعر ما وصلتنا حكايات الحب في صدر الإسلام فلأنهم كانوا شعراء، وكانوا موهوبين " ولأن الناس أحبت أشعارهم وحفظوها ورددوها ثم لحنوها وغنوها، فخلدوها ويحكي لنا أبو الفرج الاصفهانى في كتابه الخالد " الأغانى " أن الصمة لما ذهب إلى عمه بالأبل فوجئ به يتأملها مستنكراً، ثم يطلب منه أن يعود إلى أبيه ليبدل بعضها، ففعل راجعاً إلى أبيه وطلب منه ذلك لكن الأب رفض بشدة .

وتأمل وضع هذين الاخوين اللذين لا يتبادلان الكلام، وإنما يبعث كل منهما برسالته عن طريق العاشق المسكين، وكأنهما جعلا منه كرة يتقاذفانها، غير عابئين بما يمتلئ به من مشاعر وأحاسيس .

وطبيعى أن يكتشف الصمة ذلك الوضع المهين الذي صار إليه، وأن يثور، وأن تصدر عنه كلمات نابية لكل من عمه وأبيه، ويتملكه الغضب العارم، فيقطع عقل الابل، ويسرحها لتعود إلى أصحابها، وتستبد به نوبة الغضب، فيرحل بعيداً عن الحى الذي تعيش فيه قبيلته قاصداً أحد الثغور،وهناك تهدأ ثائرته ويفكر في الامر ملياً، ويشعر بالندم فيعود إلى قومه .

وكما حدث في أغلب قصص الحب في صدر الإسلام، تغيب عنا أخبار المرأة المحبوبة التى تدور حولها كل الحكاية، كل ما نعرفه عنها أنها كانت تدعى العامرية، وأن الصمة كان يذكرها في كل أشعاره القليلة التى خلدها أبو الفرج وأنها كانت بنت عم له .

أما موقف ريا من الصمة، وهل كانت تحبه بقدر ما كان يحبها، وترغب فيه بقدر ما يرغب فيها، فهذا مالا يصل إلينا . نقرأ فقط أنها حين رأته راحلاً قالت :

" تالله ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته بأبعرة " أى أنها لم تصرخ ولم تلحق به، ولم تطالبه بأن يصبر ويفكر في وسيلة للتغلب على والده ووالدها، بل كلماتها تدل على أنها لم تكن ترى أن والدها قد أخطأ .

ويعود الصمة فماذا يجد ؟!

يجد أن عمه قد زوج ريا من رجل قصير يدعى عامر بن بشرن ولعل عامرا ما كان قبيحاً ولا قصيراً، ولكنه بدا كذلك، في عين العشاق الولهان، وهكذا صوره في شعره قائلاً يخاطب أهلها:

فإن تنكحوها عامراً لاطلاعكم إليه يدهد هكم برجليه عامر

وتختفى أخبار العامرية، فلا نعرف هل وفقت في زواجها أم لم توفق أما الصمة فقد زوجه أهله من امرأة تدعى جبرة بنت وحش، وذلك على أمل أن ينسى حبه لريا، ولكن جبرة هذه لم تجبر خاطره ولا استطاعت ان تملأ فؤاده أو تبرأه من علته، فإذا هو يضيق بالإقامة معها، ويهجرها بعد فترة راحلاً إلى الشام قائلاً لها:

كلي التمر حتى تهرم النخل واضفري خطامك ما تدرين ما اليوم من أمس

ولا شك أن حبيبته ريا قد تناهى إلى سمعها ما قال فيها الصمة، وغناه إسحق :

ألا تسألان الله أن يسقى الحمى بلا فسقى الله والحمى والمطاليا

واسأل من لاقيت هل مطر الحمى فهل يسألن عنى الحمى كيف حاليا


إنه يسأل بشغف عن المكان الذى تعيش فيه حبيبته، ويدعو الله أن يسقيه بالمطر وهو الرياض التى تحيط به، ثم يتساءل في حسرة : هل يسأل عن الحمى أيضاً، وهل يهمه أن يعرف كيف حالى .. !

وفي قصيدة أخرى أنشدتها المغنية قرشية الزرقاء يقول :

واذكر أيام الحمى ثم انثنى على كبدى من خشية أن تصدعا

فليست عشيات الحمة برواجع عليك ولكن خل عينيك تدمعا

ان ذكرى أيام الحب، وما جرى فيها، لا تريد أن تبرح خياله حتى ليكاد كبده أن يتمزق حزناً وحسرة، وهو يعلم أن تلك الأيام الجميلة لن تعود ابداً، ومع ذلك يترك العنان لدموعه، عل البكاء يفيده .

وقيل إن الصمة كان يجلس وحده ويبكى مخاطباً نفسه :

" لا والله ما صدقتك فيما قالت " فمر عليه رجل وسأله : من تعنى ؟ ويحك ! أجننت ؟! قال : أعنى التى أقول فيها:

أما وجلال الله لو تذكريننى كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا

فقالت بلى والله ذكرا لو أنه يصب على هم الصفا لتصدعا

أى أن الدموع التى تنهمر من عينيها كلما ذكرته لو أنها صبت على جبل لتصدع . فهى تؤكد له أنها تذكره كما يذكرها . وبقدر ما يبكي على فراقها تبكى على فراقه .

فهل يعني ذلك أن الصمة كان يلتقى بحبيبته ريا، بعد فراقهما، وأنه كان يبثها لواعج قلبه، ويحصل منها على تأكيد باستمرار حبها له، وتذكرها أيامه ! هكذا تقول الابيات ويقول كلامه لنفسه إنه يشك في صدقها، فهي قالت له كلاماً ولكنه لا يصدق ما قالته .

أما باقي الحكاية التى يرويها صاحب الاغانى عن الصمة فتقول إنه اضاف بعد البيتين :

" أسلى نفسى عنها وأخبرها انها لو ذكرتنى كما قالت لكانت في مثل حالى " . أى أنه ينكر ما جاء بها في البيتين وينسب ما فيهما للخيال . فهما حديث النفس للنفس .

ويظل الصمة على هذا الحال، تكاد الحسرة أن تقتله، والشوق إلى حبيبته وابنة عمه ريا يستبد به، فيقرض الشعر، ويتلقفه المغنون يلحنونه ومنهم المغنية متيم الهاشمية التى غنت له :

فوا حسرتى لم أقض منك لبانة ولم أتمتع بالجوار وبالقرب

يقولون هذا آخر العهد منهم فقلت وهذا آخر العهد من قلبى

ومن أحلى ما قال في ريا :

جئت إلى ريا ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعباكما معا

فما حسن أن تأتي الامر طائعا وتجزع أن راعى الصبابة اسمعا

بكت عينى اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

هكذا عاش ذلك الشاعر ينفس عن مكنون قلبه بالشعر حتى آخر يوم في حياته، فقيل ان رجلاً كبير السن من أهل طبرستان عثر عليه ذات يوم مطروحا على الأرض في بستان، فدنى منه وسمعه يقول بصوت خفى :

تعز بصبر لا وجدك لا ترى بشام الحمى اخرى الليالى الفواير

كأن فؤادى من تذكره الحمى وأهل الحمى يهفو به ريش طائر

قال الرجل :

فما زال يردد هذين البيتين حتى فاضت روحه، فسألت عنه فقيل لي :

هذا الصمة بن عبد الله القشيرى .

فهل سكب الصمة حياته قطرة حسرة على ريا، أم ندما على هجرة بلدته، أم حزنا على أهله الذين فرقتهم الخلافات وفرقهم الشح والطمع!

alanood
06-17-2004, 12:28 PM
مشكور اخوي موضوعك حلو كثير الله يعطيك العافيه والى الامام تحياتي ALANOOD

مُعتقل الأحزان
09-20-2004, 03:31 PM
تشكر حبيب قلبي على الموضوع

طحياتي

دلــــوعــــه
09-20-2004, 09:58 PM
تسلمين اختي على هالقصه اللي بينتي فيهاا حيات الصمه ومعاناته



يعطيج العافيه